روائعُ المعمارِ في بلادِي

إن الحديث عن الفن المغربي، معناه بالذات الحديث عن تاريخ الحضارة المغربية منذ أقدم عصورها؛ لأنّ هذا الفنَّ كسائر الفنون العالمية، خضع للسنن الكونية في النمو والارتقاء، متأثرا بالحضارات التي مرت عليه، وخَلّفَتْ طابعها الدينيَّ والذوقيّ والفكريَّ والاجتماعيَّ منقوشا على صفحاته وروائعه المنشورة هنا وهناك، داخل المدن المغربية القديمة التاريخية.
قبة المنارة بمراكش
في عهد المرابطين بدأ الفن المغربي يتأثر بالفن الأندلسيّ، حيث استقدم يوسف بن تاشفين صناعا قرطبيين، كما  استفاد ابنه علي من مواهب مهندسي العدوة لإقامة قنطرة "تنسيفت" عند مدخل مدينة مراكش، إلا أن الفن المرابطيّ يتميز بالصبغة الدينية والعسكرية بعيدا كل البعد عن الطابع الحضريّ؛ فقد بنى ملوك هاته الدولة عددا لا يُستهانُ به من المآثر الدينية، كمساجد بني مزغنة، و "نَدرومة" و "تِلمسان" بالمغرب الأوسط، وجامع ابن تاشفين بمراكش، ومدرسة "الصّابِرين" بفاس، كما وُسِّعَتْ جنبات جامع القرويين على الشكل الذي ما يزال عليه إلى الآن.
وفي ظل الدولة الموحدية، تميز الفن المغربي بالعظمة الجامعة بين الأبهة والبساطة الخالية من كل تعقيد أو زركشة. تلك العظمة التي تناسب هاته الدولة التي امتد نفوذها من حدود "قشتالة" في الغرب الإسلامي إلى ليبيا.
ولن آتي لك إلا بمثال واحد تتجلى فيه هاته العظمة ظاهرة واضحة؛ فمنارة الكتبية التي تمتد في السماء سبعة وستين مترا، وتقوم على قاعدة مربعة يبلغ ضلعها اثني عشر مترا ونصف المتر، قد بُنِيَتْ بقِطَعٍ صخرية منحوتة تحتوي في تصاعدها وارتفاعها على ست غرف مقوسة السقف، تصل بينها مِرْقَاةٌ صاعدة لا دُرْجَ فيها.
وفي العهد المريني تفتق الفن عن آيات الإبداع ةوالإتقان، وخلد من روائع النقش، والحفر، والتمويه، والتسطير ما يحار العقل في إدراك دقائقه، وتشكُّلِ رسومِهِ  وزخارفه. ولقد اتخذ هذا الفن الصخر والمرمر وغيرهما  من المواد الصلبة مادة للبناء، والجصَّ والخشب والفسيفساء ميدانا لنقوشه ورسومه، ومادة لينة في يد الفنان يخضعها لمواهبه وابتكاراته، تشاهدُ كلَّ ذلك وتعجب به في المدن المحصّنة، وقباب الأضرحة، والمدارس الفخمة التي أضفت على المغرب المريني طابعا خاصّاً من الروعة والبهاء؛ فمدرسة العطارين التي بناها أبو سعيد المريني، حوت من جمال الهندسة المعمارية، ورشاقة النقوش الجصِّيَّةِ، ومهارات التمويهات الخشبية، ورشاقةِ المقَرْنصاتِ، وحبْكِ وضع الزلِّيج، ما يشهد بعظمة هاته الدولة إلى الآن.
جعفر الفاسي. المطالعة الجديدة، ج3. ص ص: 35 - 41 (بتصرف)

* التعريف بالكاتب:

جعفر الفاسي تخرج من جامعة القرويين بفاس، اشتغل في الحقل التعليمي في مهام مختلفة، كان من الأوائل الذين اهتموا بالتأليف المدرسي ، كما اهتم بدراسة تاريخ المعمار المغربي. توفي سنة 1982.

* ملاحظة النص واستكشافه:

1- العنوان: مركب إسنادي يتكون من أربع كلمات (روائع : مبتدأ | المعمار :مضاف إليه | في بلادي : خبر شبه جملة).
تنسجم كلمة "معمار" مع مجال النص (المجال الحضاري) وتدل على المنشآت والمعالم التاريخية للمغرب المتسمة بالجمال والروعة.
2- بداية النص: تشير إلى العلاقة بين الفن المغربي والحضارة المغربية.
3- نهاية النص : تبرز بعض مظاهر هذا الفن المعماري للمغرب.
4- نوعية النص : مقالة تفسيرية \ وصفية ذات بعد حضاري

* فهم النص:

1- الإيضاح اللغوي:

- السنن الكونية: النظام الكوني والقوانين الطبيعية الكونية
- الأبهة: العظمة والفخامة
- المرمر: الرخام
- الفسيفساء: قطع صغيرة ملوّنة من الزّليج.

2- الفكرة المحورية:

 ارتباط الفن المعماري المغربي بتاريخ الحضارة المغربية، وخصوصياته التي امتاز بها في عهد الدول التي تعاقبت على حكم المغرب.

* تحليل النص:

1- الأفكار الأساسية:

أ- تأثر الفن المعماري المغربي بالحضارة المغربية عبر العصور.
ب- مظاهر الفن المعماري المغربي وخصوصياته في عهد المرابطين ثم الموحدين ثم المرينيين.

2- الحقول الدلالية:

 الحضارة
 العمارة
الفن 
 الحضارة - عصور - تاريخ - الفكري - الاجتماعي - المرابطين - الموحدية - المريني...  المدن - صناع - مهندسي - المآثر - مساجد - قباب - جامع - الكتبية - المرمر - الصخر - البناء - الجص - الفسيفساء - المقرنصات - الزليج - قنطرة... الفن - الفنون - الأبهة - زركشة - منحوتة - مقوسة - الإبداع - الإتقان - التسطير - ابتكارات - نقوش -  مواهب - البهاء - الرشاقة - حبك - الفنان - الإبداع... 

* التركيب والتقويم:

يجسد الفن المعماري المغربي درجة من التقدم الحضاري الذي أحرزته الحضارة المغربية طيلة المراحل التاريخية التي مرت منها والدول التي تعاقبت على حكم المغرب في تلك الفترة.
في الجدول التالي سنبرز خصائص الفن المعماري المغربي في عهد كل من المرابطين والموحدين والمرينيين:
 في عهد المرابطين
 في عهد الموحدين
 في عهد المرينيين
 - التأثر بالفن الأندلسي
- التميز بالطابع الديني والعسكري
- التميز بالعظمة الجامعة بين الأبهة والبساطة دون تعقيد أو تزويق. -  الإبداع والإتقان - روعة النقش والحفر والتمويه والتسطير..
- يتضمن النص قيمة حضارية تتمثل في المكانة المتميزة للحضارة المغربية في مجال الفن المعماري.
- تتوفر في النص مقومات النص الوصفي مثل : الموصوف الرئيسي - الموصوفات الفرعية - الامتدادات النعتية - التمثيل...
google-playkhamsatmostaqltradent